|
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الذي علَّم آدم الأسماء كلها الذي علَّم بالقلم، وصلى الله على محمد وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد : حـقٌ وجب: إن الرغبة في المطالعة من هبات الرحمن إلى عباده، وما كانت الرغبة وحدها لتكفي، إذ لا بد لها من دربة ، وما كانت الدربة لتكون من غير قدرة على اقتناء الكتاب. وقد كان لمكتبة والدي المتواضعة جزاه الله خيراً أثر كبير في تنمية دربتي على المطالعة. فتلك الرغبة المكنونة بين رغائب كثيرة تشبه التبر بين التراب ، إن لم يحسن استخراجه ضاع وهو منك قريب. ولا أنسى فضل والدتي جزاها الله خيراً في تهيئة ما احتاج إليه من غرفة خاصة لا أجد فيها إزعاجاً يعكر صفو التفكير. ذكـرى قريبـة: وما زلت أذكر ذلك الغلام بذاكرتي ، بل كأني ما زلت أجده في نفسي إلى اليوم، ذلك الغلام ابن العاشرة إذ هو طالب علمٍ في الصف الخامس عند أستاذه الجليل محمد سعادة وأنا أعضُّ بالنواجذ على تلك الذكريات القليلة التي لم يسرقها النسيان. وكأني أراه قاعداً في صفه وأستاذه يشرح له ولأقرانه دَرْس الأسماء الخمسة لأول مرة في حياته وهو في فرح وسرور ، فقد كان الأستاذ قد قدَّم الدرس تقديماً شائقاً، وتنقضي الحصة، ولما ينقضِ الدرس ، فيقول الأستاذ إنْ رأيتم أن نأخذ الحصة التالية فعلنا، فيتقافز الطلاب فرحين بذلك الاقتراح،ثم كأنه سألهم عن تلك الحصة التالية فأجابوه : إنها حصة المهني وكان ما أراده وأرادوه ، جزى الله أستاذي خيراً . ويمضي العام الدراسي وينتقل أستاذه محمد سعادة إلى مدرسة أخرى ليوكَل بهذا الفتى إلى أستاذٍ كان يخافه من صيته في الشدة ، فكيف وقد صار عنده ، ذلك الأستاذ أستاذه حقاً ذلك أنه لا يعرف أحداً من أساتذته أثَّر فيه مثلما صنع هذا الأستاذ الشديد ، إنه أستاذه أحمد سعيفان. فقد دَرَس هذا الفتى أربع سنواتٍ متوالية عنده وما كان هذا القدْرُ عند أحدٍ غيره. جزى الله أستاذي خيراً . يذكر شدته ولينه وغضبه ومرحه ، ويذكر عصاً له كان يكنيها بأم عبّود، وهي عصاً جوفاء سوداء من اللدائن طولها شبر ونصف شبر ، وعرضها عقلة إصبع وسمكها نصف عرضها ، أهداه إياها الأستاذ محمد سعادة ، غير أنها اقترنت بأستاذه أحمد سعيفان وبه اشتهرت . وكان لأم عبود من الصيت في مدرسته ما لم يكن لغيرها ، ولا يعلم الفتى عصاً بلغت في الشهرة عنده مبلغها حاشا عصا نبي الله موسى عليه السلام . ومما سرق النسيان بعضه وما زال يذكر بعضه، أنه هو وأقرانه قرؤوا يوماً في بعض دروس المطالعة مَثَلاً من أمثال الشعوب كأنه يقول : من كانت جدرانه ضعيفة عَدَتْ عليه الذئاب، فينهض الغلام ويستأذن بالكلام ليقول: إنّ هذا كحال العرب مع اليهود إن ضعفت جدرانهم عدت عليهم ذئاب العدو ، وإن متنت ردَّت العدو، فيسر أستاذه بهذا ويثني على تلميذه ، ويُسرُّ الغلام لهذا وتعلو به همته . ومن هفوات الغلام عند أستاذه أنّ الأستاذ سأله يوماً عن إعراب كلمة فأجاد الغلام ، ثم انصرف الأستاذ إلى غيره يسألهم ، ثم رجع إليه فقال له : أعرب هذا . فيقول الغلام : هذا : اسم موصول ! فينقبض وجه أستاذه قائلاً بغير رضا : اقعد ، ويقع في صدر الغلام شيءٌ غير أنّ الله سلّم . وتمضي ... ، حتى إذا صار إلى الصف الثالث الإعدادي وهو أعلى صفٍّ في مدرسة قريته دخل أستاذه عليه وعلى أصحابه فقال: إنكم أعلى طلاب صف في المدرسة وإني لن أدخل عليكم بالعصا على أن تلزموا الأدب والاجتهاد فإلاّ تفعلوا تعلموا ، ويصدقونه ويصدقهم . وترفّع المدرسة إلى الصف العاشر ، ليكون ذلك الفتى مرة أخرى في أعلى صف في مدرسته وليدخل عليهم أستاذه أحمد سعيفان فيذكر ما ذكره في العام المنقضي وليصدقوه مرة أخرى ويصدقهم أيضاً ، إلاّ لمماً منهم مرة أو مرتين في العامين ، جزى الله أستاذي خيراً . ويصير الفتى في الصف الأول الثانوي فينتقل إلى مدرسة الزرنوجي الثانوية ليوكل عبء تدريسه إلى أستاذٍ فيه مرح ودعابة مع تلاميذه إنه أستاذه عبد الله عنبر، ولقد أسرَّ هذا الغلام يوماً إلى صاحبه موسى وهما في رواحهما من المدرسة فقال: إني إن دخلت الجامعة فسأدرس اللغة العربية، وما ذلك إلاّ إعجاباً بأستاذيّ : أحمد سعيفان و عبد الله عنبر، جزى الله أستاذيّ خيراً. ويمضي العام وتقترب رحلة طلب العلم المدرسي من شاطئها ، فقد صار الفتى في السنة المدرسية الأخيرة ، وليحمل أستاذه عايش خضير عبء إيصال السفينة إلى شاطئ التخرج في المدرسة والدخول إلى الجامعة ، وقد كان ، جزى الله أستاذي خيراً . فإلى أولئك الأساتذة الأجلاء الذين كاد النسيان أن يأخذهم بعيداً عن الذاكرة أقدم هذا الكتاب بين أيديهم وأنا تلميذهم. والحمد لله ربِّ العالمين.
أصل اللقب : وقد اتخذت لنفسي لقب ( أصيل الصيف ) ذلك أني أجد في هذا الوقت في نفسي شعوراً غريباً وفي هذا أقول :
ثم زدتُ عليه صفة ( الأصولي ) لأني لا اعلم أحداً سبقني إلى كتابة دراسة مؤسِّسة لهذا العلم الذي كتبته وأنا أنظر إلى علم أصول الفقه . وسيأتي في الفصل الثالث حديث موسع في هذا . أما أنا منتسباً ، فأنا أحمد بن " محمد أمين " بن أحمد هزايمة .
أصيل الصيف الأصولي أحمد بن محمد أمين بن أحمد هزايمة
زحر ـ إربد الجمعة 18 ربيع الثاني 1426 هـ
|






